
بقلم / محمد جابر
الممر مئة وواحد وثلاثون
تعددت ممرات الحياة وتغيرت أدوات صناعة الوهم لكن الحقيقة تظل ثابتة لا تحتاج إلى أحد كي تثبت وجودها ولا إلى ألقاب كي تفرض احترامها فالحقيقة لا تقاس بما يقال عنها وإنما بما تحتويه من وعي وكذلك الإنسان لا يرتقي بما يدعيه لنفسه وإنما بما يتركه من أثر وحين يصبح الادعاء بديل عن الكفاءة والإجابات أهم من الأسئلة والكم أهم من الكيف يبدأ الممر في فقدان بوصلته ويصبح البحث عن الحقيقة رحلة شاقة وسط غابة من الأصوات المتنافسة على صناعة الوهم
وها أنا ذا أخلع عقلي لكي أستطيع الولوج إلى هذا الممر حتى أساير هذا الوادي المزعوم بالقدسية الزائفة فوجدت المعرفة تتراجع والعقل يغيب والمعايير تتلاشى والميزان يختل والمشهد الثقافي يهبط وعليه يتراجع المشهد السياسي لكونهما وجهين لعملة واحدة فإذا ضعف الوعي ارتفعت المهاترات وإذا غابت الكفاءة تصدر المشهد أصحاب الادعاء وتوارى أصحاب الخبرة خلف ستار من الضوضاء المفتعلة تاركين الساحة لمن يجيد استراتيجية تجميع قليلي الوعي والخبرة الباحثين عن ألقاب وهمية زائفة يتحركون في جماعات رافعين شعارات لا تستطيع قراءتها إلا بعد خلع عقلك بالكلية
وبهذا لم يعد السؤال من هو المثقف الواعي المطلع المدرك صاحب الخبرة المؤهل أكاديميا بل أصبح السؤال من هو الأكثر قدرة على جمع وإقناع الآخرين بأنه يمتلك الحقيقة وبهذا نصل إلى مرحلة فارقة بالممر وتتعالى الأنا حيث يصبح صاحب الوعي خصم لكل من يعيش على الوهم ويقتات من عقول الغافلين ويبحث عن الوجاهة بين ضعفاء الفكر لأنها البيئة الوحيدة التي يقوى على الظهور فيها
ولأن الإعلام أحد أهم أدوات تشكيل الوعي فقد أصبح هو الآخر ساحة لهذا الصراع فليس كل من يرفع صوته يحمل الحقيقة ولا كل من يكثر من الظهور يصنع الوعي فبين زحمة المنابر وتدليس المنصات يقف المتلقي حائرا أمام أصوات تنازع عقله وكل فريق يزعم أنه يمتلك الحقيقة الكاملة وأن ما سواه مجرد خطأ ينبغي إقصاؤه
هناك إعلاميون يقفون في أقصى الشمال لا يرون إلا زاوية واحدة من المشهد ويحولون كل قضية إلى معركة أيديولوجية لا مكان فيها للعقل ولا للاجتهاد ولا للاختلاف وفي المقابل يقف آخرون ينادون باليوتوبيا ويرسمون مجتمع مثالي لا وجود له إلا في خيالهم ويبيعون للناس أحلام براقة تخلو من التناقضات وكأن الإنسان قد تجاوز طبيعته وكأن التاريخ توقف عن صناعة أزماته
وبين خطاب يصنع الخوف وخطاب يصنع الوهم تضيع الحقيقة ويصبح المواطن أسير روايتين لا تلتقيان إلا في الابتعاد عن الواقع بينما يحتاج المجتمع إلى إعلام يضيء الطريق ويطرح الأسئلة قبل أن يقدم الإجابات ويقدم الوقائع كما هي دون تزييف أو تهويل
الإجابات موروثة ومحفوظة أما القدرة على إنتاج السؤال فهي المقياس الحقيقي للوعي
وهنا بدأت أرى الممر أكثر وضوحا أرى المدرب يتحول إلى دكتور والمتدرب بعد أول دورة يصبح بروفيسورا وكاتب الجلسة مستشارا وصاحب الطابونة رئيس مجلس إدارة والشيف خبيرا اقتصاديا وصاحب الحديدة مستشارا ودكتورا وإعلاميا في آن واحد وأرى الألقاب تتكاثر كلما تراجعت القيمة حتى أصبح الادعاء هو الطريق الأقصر إلى الشهرة والوجاهة حتى اختلطت الألقاب بالحقائق ولم يعد أحد يسأل عن الكفاءة
وتساءلت من أين لهم بكل هذا ومن أين للناس أن تصدق كل هذا
والإجابة ليست معقدة لأن من يصدق الوهم هو من فقد القدرة على التمييز أو من وجد مصلحة في استمراره أو من اعتاد التصفيق لكل من يعتلي المنصة مهما كان رصيده من العلم أو الخبرة وهكذا تتحول المنصات الوهمية إلى أسواق مفتوحة يتبادل فيها الجميع الأدوار وتصبح كراسة الحضور أهم من قيمة الحضور نفسه
أما المنصات الحقيقية فقد تراجعت لتحل محلها منصات صنعت من بذور الادعاء وزينت بمعالجات شكلية وهندمات خارجية ومقدمات يصوغها الذكاء الاصطناعي وعروض تصنع جذب الانتباه أكثر مما تصنع الوعي
وهكذا أصبح المشهد مكتظ بالأسماء وفقير في المعاني وصاخب بالألقاب وخاوي من القيمة حتى صار الوصول إلى الحقيقة يحتاج إلى جهد أكبر من صناعة الوهم ذاتها وأصبح الادعاء سلعة رائجة في سوق الباحثين عن الوجاهة بينما يدفع المجتمع ثمن تراجع الثقافة وانحدار السياسة واختلال ميزان الكفاءة لصالح ميزان الاستعراض وتجار البطاقات الوهمية وسماسرة الألقاب المزيفة
إن الحقيقة ليست ملكا لأحد والواقع أكبر من أن يختزل في شعار وأعمق من أن يحاصر داخل أيديولوجيا وأوسع من أن يسكن مدينة فاضلة لا وجود لها إلا في الخيال والطريق إلى المستقبل لا يبدأ من أقصى الشمال ولا من اليوتوبيا وإنما يبدأ من الاعتراف بالواقع كما هو ثم العمل على إصلاحه بعقل حر ووعي مسؤول لأن الأوطان لا تبنى بالمزيفين ولا بالألقاب ولا بالادعاء وإنما تبنى بالمعرفة والكفاءة والصدق
وهكذا أصل إلى نهاية هذا الممر وبقي السؤال يطرق العقول لأن الحقيقة لا يخشاها إلا من اعتاد الادعاء ولا يطلبها إلا من امتلك شجاعة السؤال ومن امتلك شجاعة السؤال أدرك أن عقله لا يجوز أن يكون ملكا لغيره