كتب / محمد جابر
الممر مئة وتسعة وعشرون
هذا الممر لا ادعي إعادة كتابة تاريخ الفكر الإنساني أو اختراع مراحل جديدة في مسار الوعي وإنما أقدم رؤية تحليلية خاصة تنظر إلى تحولات الوعي باعتبارها ممرات متتابعة عبرها الإنسان من خلال الشك والسؤال وإعادة بناء الحقيقة والمراحل الست التي سنتناولها ..تصنيف خاص ..ليست جزر منفصلة بل محطات فكرية متداخلة تركت كل منها أثرا في تشكيل الوعي داخل ممرات الوعي المختلفة
رسالة موجهه الى كل مؤسسات الدولة والوزارات والجهات المعنية التي تتصدر خطاباتها كلمة الوعي
أي وعي نريد أن نبني ولمن نوجهه وعلى أي أسس ومعايير يتم اختيار الفئات المستهدفة
فإن التعامل مع مفهوم الوعي باعتباره مجرد رسالة تلقى على عينة عشوائية دون دراسة طبيعة المجتمع واحتياجاته واختلاف خلفياته الفكرية والثقافية والاجتماعية قد يحول فكرة بناء الوعي من مشروع تنويري إلى ممارسة شكلية تفقد جوهرها
فالوعي ليس عملية تلقين ولا عدد من اللقاءات أو الحملات أو لافتات تحمل لفظ الوعي الكلمة تتداول كثيرا في الخطابات الرسمية وغير الرسمية ولكن ما آليات العمل التي تحققت منذ أن تصدر هذا اللفظ سماءنا
الوعي هو بناء معرفي وإنساني يحتاج إلى فهم عميق للإنسان الذي نريد الوصول إليه واختيار الفئات المعنية برفع الوعي دون منهج واضح أو قراءة دقيقة للواقع لا يحقق الهدف المنشود بل يتحول اللفظ إلى مضغة يتشدق بها من لا يدركون جوهره ومتسلقو المناصب
ومن هنا فإن استخدام مصطلح الوعي يحمل مسؤولية كبيرة فهو ليس مجرد لفظ في العناوين بل مشروع يرتبط بتشكيل العقل والقدرة على التفكير والنقد والتمييز وهي مسؤولية تحتاج إلى رؤية علمية لا إلى إجراءات عابرة
فإن اختيار عينة عشوائية لرفع وعيها دون النظر إلى خلفياتها الفكرية والثقافية والاجتماعية ودون إدراك اختلاف مستويات الإدراك وطرق استقبال المعرفة ليس دليل على نشر الوعي بقدر ما هو إعلان عن قصور في فهم طبيعة الوعي ذاته فالوعي ليس مادة تلقى على الجميع بالطريقة نفسها بل هو بناء إنساني معقد يتشكل من التجربة والمعرفة والقدرة على التساؤل
وهنا أبدأ رحلتي معكم داخل ممرات الوعي
لقد كان تاريخ الوعي الإنساني في جوهره تاريخ متواصل من الشك فالإنسان لم يصل إلى الحقيقة لأنه امتلك الإجابات بل لأنه امتلك الجرأة على مراجعة الإجابات التي توارثها من بيئته المحيطة ومن هنا لم يكن الشك عدو الحقيقة ولم يكن هناك سؤال يجرم بل كان أحد أهم المحركات التي دفعت الفكر إلى التطور وإعادة تشكيل المعرفة
وأدون هذا الممر في ست وقفات تاريخية منذ بدء الخلق حتى وقتنا هذا تلك الرؤية تضيء إحدى طرقات ممرات الوعي لمن يريد أن ينير وعيه ويحدد كينونته الفكرية
البداية عصر ما قبل الحداثة ثم عصر الحداثة ثم عصر البنيوية ثم عصر ما بعد البنيوية ثم عصر ما بعد الحداثة ثم الرقمنة العصرية
في العصور السابقة على الحداثة كانت الحقيقة مرتبطة بالموروث الديني والميتافيزيقي والتقاليد الراسخة وكانت المرجعيات عن طريق الكهنة والرهبان تمنح الإنسان تفسير العالم والوجود ومع ذلك ظل السؤال حاضر وظل بعض المفكرين يبحثون عن طبيعة المعرفة وحدود الإدراك فكان الشك آنذاك طريق البحث عن يقين أعمق وليس رفض مطلق لكل يقين أو هكذا ادعي
ثم جاءت الحداثة لتفتح باب مستحدث حين شك الإنسان في المعارف الموروثة وأصبح العقل والتجربة معيارين للحكم على الأشياء لم يعد الإنسان يقبل الحقيقة لمجرد أنها موروثة بل بدأ يسأل عن الدليل والبرهان والمنهج فتحول الشك من حالة ذهنية إلى أداة فلسفية لبناء معرفة أكثر صلابة
لكن مسيرة الشك لم تتوقف عند حدود العقل الفردي فقد جاءت البنيوية لتعيد النظر في مركزية الإنسان نفسه مؤكدة أن الفرد لا يعيش خارج منظومات عميقة من اللغة والثقافة والبنى الاجتماعية التي تؤثر في طريقة تفكيره وفهمه للعالم فأصبح السؤال كيف نفكر وما الذي يصنع طريقة تفكيرنا
ثم جاءت ما بعد البنيوية لتوجه الشك نحو تلك البنى نفسها متسائلة عن ثبات المعاني وقدرة الإنسان على الوصول إلى حقيقة نهائية مغلقة وأصبح المعنى مجال للتفسير والتأويل لا حقيقة جامدة يمكن امتلاكها مرة واحدة وإلى الأبد
ومع ما بعد الحداثة اتسع مجال الشك ليشمل السرديات الكبرى التي حاولت تفسير التاريخ والمجتمع تفسير شامل فأصبحت الحقيقة مرتبطة بالسياق والمرجعية المتوارثة وأصبح الإعلام والصورة والثقافة أدوات مشاركة في صناعة واقع منها ما نقبله وما نرفضه والمعيار هو قوة الوعي
وهنا أصل معكم إلى نهاية هذا الممر عند بوابة العصر الرقمي فقد نقل السؤال إلى مستوى أكثر تعقيدا فلم يعد السؤال ما الحقيقة بل من ينتجها وكيف تنتقل إلينا وفي ظل تدفق المعلومات والخوارزميات والمنصات الرقمية أصبح بناء الوعي مرتبط بالقدرة على التمييز بين المعرفة والمعلومة وبين الحقيقة وادعائها
ومن هنا فإن الحديث عن الوعي لا يمكن أن يكون شعار أو إجراء شكلي فالوعي الحقيقي يقاس بقدرة الإنسان على السؤال والفهم والمراجعة إن صناعة الوعي تبدأ من احترام عقل الإنسان ومعرفة اختلافاته وبناء جسور معرفية معه لا التعامل معه كوعاء فارغ يحتاج فقط إلى التعبئة
فالتاريخ يعلمنا أن كل مرحلة لم تهدم ما قبلها بالكامل وهذا ما نحن عليه الآن فما زالت هناك أشخاص تحركهم معتقداتهم الدينية فقط بصرف النظر عن كينونتها من اختلاف التصورات حول المقدسات المختلفة إلى صور متعددة من التعلق بالمعتقدات والرموز وهنا يجب إعادة تفسير الوعي داخل إطار جديد فالشك لم يكن نهاية الحقيقة بل كان الطريق الذي جعل الإنسان أكثر قدرة على الاقتراب منها
ولهذا فإن من يتحدث عن الوعي عليه أن يكون واعي بأن الوعي نفسه ليس نقطة وصول بل رحلة مستمرة من التساؤل والاكتشاف وإعادة البناء
تلك البوابات الست من ممرات الوعي ليست مغلقة على مجموعة بعينها أو أن كل بوابة تحتكر من بداخلها فالكل مصنف أين يقع داخل هذه البوابات وأين يحمل داخل وعيه من تلك المدارس الست
فمن الأولى حتى الأخيرة يمكنك الترحال وأخذ ما ينير وعيك فيتوارى جهلك

