
كتب / محمد جابر
الممر مئة وثلاثون
وأنا أتنفس نسمات الصباح الأولى داخل ممرات الوعي إذا بأحد مدعي الفكر ومنتسبي الثقافة ينتقد مشهدا يكاد يكون هو أحد أكثر العناصر حضورا وتأثيرا فيه
وآخر ترافقه إحدى صور الليل وكلامها يصبح ستارا لخطاب آخر وبائعون للحروف يتلقفون الهاجية والرائجة من العبارات بحثا عن مساحة للظهور فيتصاعد في الهواء طنين الكلمات قبل أن تظهر قيمة الأفكار وتنتشر رائحة عفن الحروف حين تفقد الكلمة رسالتها وتتحول إلى أداة للمبارزه
لم يلفت نظري هؤلاء لأنهم أصبحوا معروفين للقاصي والداني ولكن ما أثار التأمل هم أولئك المتسكعون بين المواقف أصحاب النزور والوقوف في الطابور ممن ينتظرون اتجاه الريح ليحددوا مواقعهم ومواقفهم دون وعي حقيقي بما يدور
هنا يتحول الحديث عن الخلل إلى وسيلة لإخفائه وليس لمعالجته فبعض الأزمات لا تستمر بسبب غياب المعرفة بها بل بسبب وجود من ترتبط أدوارهم ومصالحهم باستمرارها
فأخطر ما يواجه ممرات الوعي ليس الجهل بالمشكلة وإنما الالتفاف في التعامل معها حين يقف البعض في الصفوف الأولى لانتقاد ظاهرة هم أحد مكوناتها الأساسية وحين يتحول صاحب السلوك إلى قاض يحاكم السلوك نفسه في مشهد يكشف حجم التناقض بين خطاب يدعي المعرفة وممارسة تفتقد المصداقية
هنا تعلو صرخة الممر فقدرتك العالية على كشف أخطاء الآخرين وجمع المصفقين وأصحاب الصاجات حولك لن تضيف إلا وهنا فوق وهن لأن التشهير وإبراز التشوهات لا يصنع قيمة .كما أن كثرة الأصوات لا تعني بالضرورة صحة الطريق .فأكثرها مضلله
لكن أن تمتلك الجرأة على وضع نفسك أمام هذا الممر قبل أن ترفع أصابع الاتهام فذلك هو الاختبار الحقيقي للوعي فالإنسان الذي يطالب بإصلاح المجتمع وهو يمارس عكس ما يدعو إليه لا يقدم وعيا حقيقيا بل يقدم شكلا جديدا من أشكال الخداع الاجتماعي والثقافي والسياسي وهو الخطر الأكبر في أزقة الممر
ومن هنا تظهر ظاهرة تستحق التوقف عندها وهي أن بعض الذين يكتبون عن السلبيات أصبحوا جزءا من منظومتها لأنهم لا يبحثون دائما عن تغيير الواقع بقدر ما يبحثون عن دور داخل هذا الواقع بعد أن انطفأ زهو حضورهم وانكشفت محدودية تأثيرهم
فالنقد بهذه الصورة لا يصبح طريقا للإصلاح بل وسيلة لصناعة مكانة وفرض حضور وربما تحقيق مصالح مرتبطة ببقاء الأزمة
ومن يظن أنه يستطيع إطفاء النار بإشعال نار أخرى لا يدرك أن اللهيب لا يعرف صاحبه وأن من يعبث بالأزمات قد يجد نفسه يوما أمام نار تجاوزت حدود السيطرة
وبهذا يستطيع هذا الممر أن يصنف زائريه فالإنسان قد لا يرفض الخطأ لأنه خطأ بل لأنه ليس هو من ارتكبه وقد يهاجم الفساد ليس دفاعا عن القيم وإنما رغبة في إقصاء منافس أو حماية صورة صنعها عن نفسه
فتصبح الحقيقة انتقائية ويصبح الضمير خاضعا للمصلحة ويصبح التهليل تبادليا بين أصحاب المصالح ويصبح التراشق بالمواربة لغة يستخدمها بعض من يطلقون على أنفسهم صفات الأدباء والمفكرين
وعندما تتكئ على جدار الممر وبالرغم من تنافي ذلك مع قوانين الممرات إلا أنك تجد أن الإسقاط يمثل إحدى أكثر الآليات وضوحا في هذه الظاهرة حيث ينقل الفرد عيوبه ومسؤولياته إلى الآخرين فيتحول من طرف مشارك في الأزمة إلى متفرج يدعي البراءة ومن مسبب محتمل للمشكلة إلى صاحب خطاب أخلاقي عنها
يعيبون الناس والعيب فيهم
فليس كل من تحدث عن النقاء كان نقيا وليس كل من رفع شعار الإصلاح كان مستعدا لتحمل مسؤولياته
وعليه فإن تحول اللامع وصاحب الصوت العالي إلى نائب عن صاحب الخبرة ليس مجرد خلل في الأفراد بل هو مؤشر على أزمة عميقة في جدارة منظومة المعايير
فالممرات التي تمنح المكانة لمن يجيد الاستعراض أكثر ممن يجيد العمل تفتح الباب أمام تراجع العقول وصعود أصحاب الصورة على حساب أصحاب القيمة
والأكثر خطورة أن بعض من ينكرون وجود أي إيجابية لا يفعلون ذلك بدافع الحرص على الحقيقة بل لأن استمرار الصورة القاتمة يمنحهم مساحة للظهور فهناك من لا يعيش إلا داخل الأزمات لأن انتهاء الأزمة يعني انتهاء الدور الذي صنعه لنفسه
كما أن وجود أخطاء داخل بعض المؤسسات الرسمية لا يمكن أن يكون ذريعة لهدم مفهوم الدولة أو خلق مسارات بديلة تحكمها الفوضى والانفلات فالخلل في مؤسسة لا يعني سقوط فكرة المؤسسة والاعتراض على بعض الممارسات لا يمنح أحدا الحق في استبدال منظومة القيم والمعرفة بمساحات عشوائية لا تنتج إلا مزيدا من العشوائية والانهيار وتشويها لمسميات كثيرة صنعتها أياد بيضاء وجاءت عقول مضطربة لتطمس معالمها
والممرات لا تنصلح بالهروب من المشكلات وإنما بمواجهتها ولا تبنى بالصراخ وإنما بالعمل ولا تنهض بإقصاء الكفاءات لصالح أصحاب الحضور المؤقت وإنما بإعادة الاعتبار للعقل والخبرة والمسؤولية
فبعض الناس لا يريدون علاجا للمرض لأنهم اعتادوا أن يعيشوا على أعراضه وبعضهم لا يحارب الفوضى لأنه فقد مكانته في لحظة الاستقرار وبعضهم لا يبحث عن الحقيقة لأنه يدرك أن الحقيقة قد تكون أول من يحاسبه
ويبقى السؤال الأكثر إزعاجا
هل نحن نبحث فعلا عن إصلاح الواقع أم نبحث عن دور داخل أزماته
هل نريد القضاء على المشكلة أم نريد أن نكون أصحاب الصوت الأعلى في الحديث عنها
فالوعي الحقيقي ليس امتلاك القدرة على إدانة العالم من حولك بل امتلاك الشجاعة لمحاسبة نفسك أولا لأن أخطر إنسان على المجتمع ليس من يخطئ بل من يخطئ ثم يقف ليقدم محاضرة عن أخطاء الآخرين
إن بناء المستقبل لا يبدأ بكثرة المنتقدين بل بوجود أناس يملكون شجاعة الاعتراف ودقة الفهم وقدرة الفعل لأن الممر لا يتغير بمن يصفون الجرح وإنما بمن يملكون الجرأة على علاجه
