
ريم العبدلي ليبيا
وراء كل نجاح حكاية، ووراء كل مشروع ناجح حلم ضغير ثم وكبر بالإصرار والصبر وحب العمل، وفي عالم الطبخ لا تقتصر الحكاية على إعداد الأطباق وتقديمها، بل تمتد لتشمل الشغف والإبداع والقدرة على تحويل الموهبة إلى مشروع يحمل بصمة صاحبه.
فالشيف منال محمد قرقوم، خريجة كلية الآداب، قسم الإعلام، بجامعة بنغازي، سنة 1999، التي اختارت أن تجعل من حبها للطبخ طريقا للإبداع والنجاح، فمنذ سنوات الدراسة الإعدادية كانت تجد في المطبخ مساحة للتجربة والابتكار، حتى تحولت تلك الهواية مع مرور الوقت إلى مشروع متكامل يجمع بين إعداد الحلويات والمالح وتجهيز طاولات المناسبات، رحلة لم تكن خالية من التحديات، فقد واجهت صعوبات العمل وانقطاع الكهرباء، وارتفاع أسعار المواد الخام، لكنها واصلت مسيرتها مستندة إلى إيمانها بموهبتها، وثقة زبائنها، ودعم أهلها وفريق العمل الذي يساندها.
وفي هذا الحوار، نقترب من تجربة منال محمد قرقوم، لنتعرف على بداياتها، وأبرز محطات نجاحها والتحديات التي واجهتها، وفرحتها بالمشاركة في ملتقى الشيفات، وطموحاتها التي تسعى إلى تحقيقها في عالم الطبخ.
*كيف تعرفين متابعيك بمنال محمد قرقوم، وكيف بدأت علاقتك بعالم الطبخ؟
-أنا منال محمد قرقوم، خريجة كلية الآداب، قسم الإعلام، جامعة بنغازي، سنة 1999،بعد التخرج تفرغت لبيتي وعيالي، وما بديتش حياتي العملية إلا سنة 2012، لما تعينت في مدرسة قريبة مني، لكن حبي للطبخ كان موجود من زمان، من أيام الصف الثاني الإعدادي، كان المطبخ بالنسبة لي أكثر من مجرد مكان نطيب فيه؛ كان عالمي اللي نلقى فيه روحي، ونعبر فيه عن إبداعي وحبي للتجديد والابتكار، ومن صغري كنت نحب نجرب كل حاجة نشوفها، وأي أكلة تلفت انتباهي نحاول ننفذها بطريقتي ونطلعها بأحلى شكل، ونتذكر لما كانت أمي الله يرحمها ويغفر لها، تطلع من الحوش نستغل الفرصة ونجري للمطبخ، نخلط كيكة ولا بسبوسة ونحاول نكمل كل شيء قبل ما ترجع، مرات تنجح معاي الحاجة ومرات تخرب، لكن حتى لو خربت كنت ننظف مكاني ونستنى في المرة الجاية باش نعاود نحاول، وما ننساش شهر رمضان لما كنت نروح من المدرسة نجري للمطبخ فرحانة، ونقعد مع أمي ونعاونها في تحضير الأكل، اليوم لما نتذكر اللحظات هذي، نحس إنها كانت البداية الحقيقية لحكايتي مع الطبخ.
*متى انتقل حبك للطبخ من مجرد هواية داخل البيت إلى بداية مشروع فعلي؟
-بالنسبة للمالح كنت ديما نحب نجهز الأكل في المناسبات العائلية في أعراس خواتي وخوي، كنت أنا اللي نتولى تجهيز المالح، وما كنتش نحب نجيب حاجة جاهزة من برا، لأنني كنت نستمتع لما نشوف تعبي قدامي ونفرح لما الناس تاكل من شغلي وتنبسط بيه.
أما البداية الفعلية لمشروعي، فكانت عن طريق صديقة ليا، كانت زميلتي في المدرسة في يوم من الأيام جايين لبيتها ناس للخطبة، وطلبت مني نجهزلها مالح.؛ درتلها الطلبية، وبعدها عاودت طلبت مني مرة ثانية،
وفي مرة قالت لي كلام ما زلت نتذكره، قالت لي بمعنى “علاش ما تبديش تجهزي وتبيعي” هكي لما نطلب منك نكون عارفة إن شغلك خدمة ومشروع، وقتها عجبتني الفكرة، وقلت في نفسي: علاش لا؟ ما دام أنا نحب الطبخ ونستمتع بيه، علاش ما نحولش الهواية هذي لشغل ونبني منها حاجة خاصة بيا؟ ومن هنا كانت البداية.
*كيف كانت طلبياتك في بداية المشوار، وإلى أي مدى تطور حجم العمل اليوم؟
-نتذكر في أول مشواري، لما تجيني طلبية فيها ثلاثين طرف، كنت نفرح ونقول: ما شاء الله، هذي طلبية كبيرة واليوم بفضل ربي وصلت لطلبيات توصل إلى خمسمائة وستمائة طرف، والحمد لله اللي كان في يوم من الأيام مجرد هواية وحلم صغير، أصبح شغل ومشروع نكبر فيه يوم بعد يوم، في البداية كنت نخدم في لمات ومناسبات محدودة، لكن مع الوقت وبفضل الله ثم ثقة الناس في شغلي، تطورت خطواتي واليوم الحمد لله عندي مطبخ متكامل نخدم فيه الحلويات والمالح، ونجهز حتى طاولات المناسبات بالكامل وهذا كله ما جاش في يوم وليلة، بل كان نتيجة تعب وصبر ومحاولات مستمرة، والأهم من هذا كله توفيق ربي وثقة الناس اللي شجعتني نستمر.
*ما الذي يمثله لك الطبخ؟ وهل تنظرين إليه باعتباره مهنة فقط أم شغفا يتجاوز حدود العمل؟
-الطبخ بالنسبة لي مش مجرد شغل أو مصدر رزق، هو حب وشغف وراحة نفسية، نلقى روحي في المطبخ، ونحس بالسعادة وأنا نجهز الأكل ونبتكر في الوصفات ونشوف النتيجة قدامي، الطبخ يعطيني إحساس بالإنجاز ويفتح لي مجال نعبر فيه عن روحي وإبداعي، والأجمل لما نشوف فرحة الناس بشغلي ونسمع كلامهم الطيب.
*لكل نجاح تحدياته، فما أبرز الصعوبات التي واجهتك خلال مسيرتك، خاصة في تجهيز مناسبات الأفراح؟
-رغم حبي الكبير لشغلي، إلا إن الطريق ما كانش ديما سهل، لأن وراء كل طلبية ناجحة ساعات طويلة من التعب والتحضير، من أصعب الأيام بالنسبة لي يوم الفرح، خاصة لما تكون عندي تجهيزات في صالة، اليوم هذا يعتبر من أكثر الأيام إرهاقا، لأنني نضطر نوض من الساعة ستة الصبح، ونبدأ نجهز ونحضر، ونحط الطناجر والرز على النار، ونجهز الأكل والتزيين والطاولات، ونواصل في الخدمة لساعات طويلة، ومرات نقعد لغاية الساعة الرابعة أو الخامسة، وبعدها نرجع نكمل باقي التجهيزات، وفي مرات كثيرة نبدأ من بعد صلاة الفجر ونواصل لين نكمل كل المطلوب، لكن رغم التعب لما نشوف النتيجة النهائية ونشوف شغلي مرتب وقدام الناس بالشكل اللي نبيه، نحس إن كل التعب هان.
*انقطاع الكهرباء من المشكلات التي يعاني منها كثير من أصحاب المشاريع الغذائية. كيف أثر ذلك على عملك؟
-من التحديات الصعبة اللي مرينا بيها فترة انقطاع الكهرباء، خاصة لما نكون مجهزين المالح في الليل وحاطينه في الفريزر، وفجأة تقطع الكهرباء، ونقعدوا خايفين على شغلنا من التلف مرات كانت المشكلة تستمر لليوم الثاني، ونلقوا رواحنا في ضغط كبير، لأن وراء كل طلبية فيه تعب ووقت ومجهود، وفيه زبون مستني في موعده؛ الموقف هذا مش سهل، لأننا مسؤولين عن شغلنا وعن التزامنا مع الزبائن، وديما نحاولوا نلقوا طريقة نتجاوزوا بيها الظروف ونحافظوا على جودة الطلبية وموعد تسليمها.
*وماذا عن ارتفاع أسعار المواد الخام وتذبذبها؟ كيف تحافظين على جودة منتجاتك في ظل هذه الظروف؟
-التحدي الثاني اللي نعانوا منه اليوم هو ارتفاع الأسعار وتذبذبها. مرات نمشوا نشتروا المواد الخام بأسعار مرتفعة، وحتى الجودة مش ديما تكون بالمستوى المطلوب وبما إنني حريصة على جودة شغلي، نحاول ديما نختار الأفضل لأنني نؤمن إن رضا الزبون وثقته أهم من أي شيء، وإن الجودة هي اللي تخلي الزبون يرجعلك مرة ثانية، ورغم كل الصعوبات، نحاولوا نتأقلموا ونستمروا، ونتعلموا كيف نتجاوزوا العقبات، لأن النجاح مش معناه إن الطريق يكون سهل، بل معناه إننا ما نستسلموش مهما صعبت الظروف.
*من المحطات التي أسعدتك في مسيرتك دعوتك لحضور ملتقى الشيفات حدثينا عن هذه التجربة وماذا مثلت لك؟
-من أجمل اللحظات اللي عشتها في مسيرتي كانت دعوتي لحضور ملتقى الشيفات، أول دعوة وصلتني كانت من الشيف إيناس الأوجلي، وربي يبارك فيها ويجزيها كل خير، على تكريمها لينا واهتمامها بمجموعة كبيرة من الشيفات، وبعدها وصلتني دعوة ثانية من شركة FC، وكنت سعيدة جدا بحضوري للملتقى بالنسبة لي الفرحة ما كانتش مجرد حضور مناسبة، بل كانت إحساس كبير بالفخر، لأني لقيت روحي وسط مجموعة من الشيفات المتميزات في بنغازي، ونتعرف على ناس عندهم نفس الشغف والحب للمجال، ولما نسمع اسمي وسط مجموعة من الشيفات، ونحس إن تعبي وشغلي وصلوا لمرحلة خلتني نكون موجودة بينهم، بصراحة فرحتي ما نقدرش نوصفها بالكلام. حسيت إن كل خطوة تعبت فيها، وكل ليلة سهرتها، وكل تحد تجاوزته كان له معنى واللحظات هذي تعطيني دافعا أكبر باش نستمر، ونطور من روحي وشغلي، ونطمح للأفضل ديما.
*وراء كل مشروع ناجح أشخاص يقفون خلفه ويساندونه. ما دور أهلك وفريق العمل في مسيرتك؟
-لو بنحكي على النجاح اللي وصلت له اليوم، مستحيل ننسى دور أهلي وفريق العمل اللي معاي النجاح ما يجيش بالمجهود الفردي وحده، بل يحتاج إلى ناس تؤمن بيك وتساندك وتوقف معاك، خاصة في الأوقات الصعبة توفيق ربي أولًا، وبعده دعم الأهل ومجهود فريق المطبخ، كلهم عوامل مهمة في استمراري وتطوري لأن تجهيز طلبيات كبيرة ومناسبات متكاملة يحتاج إلى تعاون وتنظيم وتحمل للمسؤولية وأنا نعتبر كل شخص يساهم في نجاح العمل جزءًا من هذا النجاح، ونقدر كل مجهود يبذل باش نقدموا للزبون خدمة ترضي ذوقه وتكون في المستوى اللي نطمحوا له.
*بعد هذه التجربة ما الرسالة التي توجهينها لكل امرأة تمتلك موهبة أو هواية، لكنها مترددة في تحويلها إلى مشروع؟
-نقول لكل امرأة عندها موهبة أو حلم، ما تستهونش بقدراتها، وما تخليش الخوف من البداية يمنعها من المحاولة، أنا بديت بحاجات بسيطة، وكانت عندي تجارب تنجح ومرات تفشل، لكن استمريت وتعلمت من أخطائي.
مش ضروري البداية تكون كبيرة، المهم تكون عندك رغبة حقيقية في النجاح، وصبر واستعداد للتعلم والتطوير، وثقة الناس ما تجيش من أول يوم، بل تبنى مع الوقت من خلال الالتزام وجودة الشغل والمعاملة الطيبة، والأهم إن الإنسان يؤمن بموهبته، ويستعين بالله، ويواصل حتى لو واجهته صعوبات.
*منال ما طموحاتك المستقبلية، وما الذي تتمنين تحقيقه في عالم الطبخ؟
-طموحي إني نستمر في تطوير شغلي، ونقدم الأفضل ديما، ونحافظ على ثقة الناس اللي كانت سبب مهم في وصولي للمرحلة هذي، نبي مشروعي يكبر أكثر، ونواصل في تقديم الحلويات والمالح وتجهيز طاولات المناسبات بمستوى يليق بالزبائن وتطلعاتهم، والحمد لله لما نتذكر كيف كانت البداية، وكيف تطور شغلي من طلبية بسيطة إلى طلبيات كبيرة ومطبخ متكامل، نحس بالفخر والامتنان لربي على كل خطوة وصلت لها
*كلمة نختم بها حورانا الشيق مع حضرتك شيف منال قرقوم؟
-في الختام أشكر كل شخص دعمني ووقف معاي وشجعني، ونتمنى من ربي التوفيق في القادم، وأن نكون دائما عند حسن ظن الناس اللي وثقوا في شغلي


