
كتب/ محمد جابر
فوتوغرافر/ شادية محمود
استضافت مكتبة الإسكندرية لقاء فكري مائز وثقافي موسع بعنوان العلم والنظام العالمي الجديد استضافت خلاله الكاتب الصحفي والإعلامي أحمد المسلماني رئيس الهيئة الوطنية للإعلام في لقاء أداره الكاتب الصحفي أحمد الدريني وسط حضور كبير من الأكاديميين والباحثين والمثقفين والطلاب والمهتمين بقضايا العلم والفكر ومستقبل العالم
واستهلت الندوة بالتعريف بالضيف والترحيب بالحضور ثم انتقلت إلى مناقشة واحدة من أكثر القضايا ارتباطا بمستقبل الإنسانية وهي العلاقة بين العلم والتحولات الدولية وكيف أصبح التقدم العلمي العامل الأكثر تأثيرا في تشكيل موازين القوة ورسم خرائط النفوذ وإعادة تشكيل النظام العالمي
وأكد أحمد المسلماني أن المحرك الرئيسي لحركة التاريخ لم تعد الجغرافيا ولا الثروات الطبيعية وحدها وإنما أصبح العلم بما يحمله من اكتشافات واختراعات وقدرة على صناعة القوة الشاملة مشيرا إلى أن القرون الأخيرة يمكن قراءتها من خلال تطور العلوم المختلفة حيث كان القرن التاسع عشر قرن الرياضيات والقرن العشرون قرن الفيزياء بينما يمثل القرن الحادي والعشرون عصر علوم الأحياء والهندسة الحيوية
وأوضح أن الحربين العالميتين كشفتا بصورة واضحة أن الانتصار الحقيقي لا يتحقق في ساحات القتال وحدها وإنما يبدأ داخل المعامل ومراكز الأبحاث وأن علماء الرياضيات والفيزياء والكيمياء كانوا أصحاب الدور الأهم في تغيير موازين القوى العالمية كما استعرض قصة أحد العلماء البريطانيين الذي التحق بالجيش وتوفي قبل أن يكمل اكتشافه لترتيب جديد للعناصر الكيميائية وهو ما دفع لاحقا إلى إعادة النظر في السماح بمشاركة العلماء في الحروب حفاظا على العقول التي تمثل ثروة الأمم الحقيقية
وتناول المسلماني التطور الكبير الذي أحدثته نظريتا النسبية وميكانيكا الكم موضحا أن الأولى غيرت فهم الإنسان للكون بينما كشفت الثانية أسرار العالم متناهي الصغر وأضاف أن العالم بول ديراك استطاع الجمع بين الفيزياء الكمية والنسبية في إطار علمي أسهم بصورة غير مباشرة في التطورات التقنية الحديثة وفي صناعة الحاسبات والرقائق الإلكترونية التي يقوم عليها العالم الرقمي المعاصر
كما أشار إلى أن تاريخ العلم هو تاريخ متواصل من المحطات الفارقة وأن العلماء يمثلون أهم وأخطر قوة تمتلكها الأمم غير أن هذه القوة قد تتحول إلى أداة للشر عندما توظف الاكتشافات العلمية في الحروب وصناعة الدمار مؤكدا أن التجربة العملية هي الأساس الحقيقي للعلم وأن الاكتشافات لا تبنى على التخيلات وإنما على البحث والملاحظة والتجريب
واستعرض عددا من النماذج التاريخية التي غيرت مسار الحضارة الإنسانية ومنها جيمس وات الذي أحدث ثورة هائلة بتطوير المحرك البخاري ومايكل فاراداي الذي أسس للدينامو الكهربائي ومهد لثورة الكهرباء والإضاءة الحديثة وألكسندر فلمنج الذي فتح الباب أمام عصر المضادات الحيوية باكتشاف البنسلين وما ترتب عليه من إنقاذ ملايين البشر كما أشار إلى إسهامات علماء الكيمياء والأحياء في حماية الأمن الغذائي العالمي وتطوير الإنتاج الزراعي
وتوقف عند الجانب المظلم للعلم مستعرضا تجربة العالم الألماني فريتز هابر الذي ارتبط اسمه بإنتاج الأسلحة الكيميائية واستخدام غاز الكلور في الحرب العالمية الأولى باعتباره أول استخدام واسع للقتل الجماعي الكيميائي كما تطرق إلى توظيف بعض الدراسات البيولوجية وعلوم الأعراق في تأسيس الأفكار العنصرية التي قامت عليها النازية محذرا من خطورة انفصال العلم عن الضمير الإنساني
وتناول المسلماني الفارق بين الانشطار النووي والاندماج النووي موضحا أن الانشطار يقوم على تفتيت الذرة بينما يعتمد الاندماج على اتحاد الأنوية وهي العملية التي تمد الشمس والنجوم بالطاقة وأضاف أن نجاح الصين والولايات المتحدة في تحقيق تقدم في أبحاث الاندماج النووي والبلازما قد يمثل المستقبل كحل جذري لأزمة الطاقة العالمية كما أشاد بإسهامات العالم المصري الدكتور علي مصطفى مشرفة في الفيزياء النظرية
وأشار إلى أن الذرة تمثل عالما كاملا وأن فهم مكوناتها قاد إلى أعظم الثورات العلمية كما استعرض إسهامات ماكس بلانك والدكتور أحمد زويل الذي أحدث ثورة في علم الكيمياء عبر الفيمتو ثانية وصولا إلى العالم المصري الدكتور محمد ثروت حسن وأبحاثه في الأزمنة فائقة القصر على مستوى الأتو ثانية
كما تطرق إلى التطورات المتسارعة في علوم الوراثة والحمض النووي واكتشافات واتسون وكريك ثم انتقل إلى الحديث عن الثورة الجديدة في الهندسة الحيوية مشيرا إلى الإعلان عن إنشاء خلية اصطناعية قادرة على النمو والتكاثر وهو ما يمثل واحدة من أهم الثورات العلمية في عام ألفين وستة وعشرين
وتناول تاريخ سباق الفضاء منذ إطلاق الاتحاد السوفيتي أول قمر صناعي وحتى التطورات الراهنة مؤكدا أن الحديث عن وجود حياة بشرية مستقرة على كوكب المريخ ما يزال أقرب إلى الخيال العلمي منه إلى الواقع في ظل التحديات البيئية والبيولوجية الهائلة
واستعرض التجربة الهندية بوصفها نموذج واضح على أن الاستثمار في التعليم والبحث العلمي قادر على تغيير مصير الدول موضحا أن رئيس الوزراء نهرو أسس لمعاهد التكنولوجيا الهندية التي أصبحت من أهم المؤسسات العلمية في العالم وأسهمت بصورة مباشرة في نقل الاقتصاد الهندي إلى مصاف القوى الاقتصادية الكبرى
وأشار إلى أن عددا من أبرز قادة التكنولوجيا العالميين خرجوا من بيئات فقيرة في الهند ومن بينهم الرئيس التنفيذي لشركة جوجل إضافة إلى العالم والرئيس الهندي الراحل أبو بكر عبد الكلام الذي عرف بأبي الصواريخ الهندية والعالم العبقري رامانوجان الذي تحدى الفقر والمرض ليصبح أحد أعظم علماء الرياضيات في التاريخ مؤكدا أن الإرادة والتعليم يصنعان المعجزات أكثر من الثروة
وانتقد المسلماني الخطاب الإعلامي الذي يكرس الإحباط والاستسلام وينشر ثقافة الكسل مؤكدا أن المجتمعات المتقدمة لا تبني نهضتها على صناعة اليأس وإنما على منح الشباب فرصة التجربة والخطأ وإطلاق طاقاتهم نحو الابتكار والإبداع
وأكد أن مصر تمتلك جيلا جديدا من العلماء وأن الدولة المصرية تولي اهتماما كبيرا بالبحث العلمي ودعم الجامعات والمراكز البحثية وفي مقدمتها مدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا والابتكار بما يعكس إيمانا بأن المعرفة أصبحت أحد أهم عناصر الأمن القومي والتنمية الشاملة
وفي ختام اللقاء شدد أحمد المسلماني على أن النظام العالمي الجديد لن تصنعه الشعارات السياسية ولا الصراعات الأيديولوجية بين الرأسمالية والماركسية ولا الجدل بين البرجوازية والبيروقراطية وإنما سيصنعه العلم والابتكار والعقول القادرة على إنتاج المعرفة مؤكدا أن الأمم التي تستثمر في الإنسان تملك المستقبل وأن صناعة الأمل أصبحت واجبا وطنيا لا يقل أهمية عن صناعة السلاح وأن النبوءة التي يرددها المجتمع عن نفسه كثيرا ما تتحول إلى حقيقة عندما يؤمن بها الجميع ولذلك فإن بناء المستقبل يبدأ من الإيمان بالعلم قبل أي شيء آخر

