
بقلم / محمد جابر
الممر مئة وثمانية وعشرون
عند مروري داخل أحد الممرات السياسية ذات الطابع الثقافي جلست في آخر الصفوف أترقب المشهد في صمت حيث كانت المنصة تضم قامة سياسية وفكرية يشاد بها وتعد أيقونة يتجمع حولها الحضور وإلى جواره بعض المنتمين إلى المجالين السياسي والثقافي ممن اعتادوا تصدير أنفسهم بوصفهم حراس الوعي بينما توزع الحاضرون بين من جاء بحثًا عن صورة ومن حضر للاستماع والتحليل وربما الفضول وأشياء أخرى يعلمها كل من امتلك احتكاك بهذا الوسط
لا ندخل في نوايا الآخرين فلكل إنسان مقصده لكن ما أثار انتباهي أن الندوة ومنذ لحظاتها الأولى بدأت في سرد مجموعة من الطروحات التي تمزج الكذب ببعض الحقائق وتخلط بين الوقائع والتأويلات بصورة تجعل المتلقي العادي عاجز عن الفصل بين ما هو حقيقي وما هو مصاغ بعناية لخدمة فكرة بعينها
حينها تساءلت في داخلي إن كانت تلك الكلمات تحمل كل هذه الأهمية والصدق فلماذا لا تطرح داخل كيان حزبي واضح ولماذا لا تتبناها منابر إعلامية كبرى أو قنوات تمتلك الجرأة على إذاعتها أمام الرأي العام بشكل مباشر بدلا من هذه التجمعات المرتبكة
هنا بدأت الصورة تتكشف أمامي وأدركت أن المسألة ليست ندوة ثقافية بريئة بقدر ما هي محاولة لاستهداف فئة من العقول المرهقة والمغيبة لتتحول مع الوقت إلى أبواق تردد خطاب فكري وسياسي واقتصادي لا يمت بصلة إلى الواقع الحقيقي الذي يعيشه الناس
لكن المفارقة الأكثر سخرية أن من يخططون لمثل هذه المساحات يبالغون في تقدير تأثيرها لأن أغلب الحضور في الحقيقة لا يملكون مشروع وعي ولا قدرة حقيقية على الفعل بل يعيش كثير منهم داخل فراغ نفسي واجتماعي يبحثون فيه عن شعور مؤقت بالأهمية أو لقطة عابرة بجوار الأسماء اللامعة حتى بات بعضهم عاجز عن إدارة أبسط تفاصيل حياته دون وصاية من الآخرين ثم يطلب منه بعد ذلك أن يحمل مشروع فكري أو يغير وعي مجتمع كامل
بداية نحن نحترم كل إبداع ونؤمن أن الثقافة الحقيقية لا تقوم على الإقصاء بل على التعدد وأن كل تجربة تجد من يتفاعل معها وفق مستوى الوعي والذائقة والمعرفة فالفنون والآداب ليست ساحات للوصاية بقدر ما هي مساحات للاكتشاف والتأمل وإعادة طرح الأسئلة
لكن الأزمة تبدأ حين تتحول بعض الندوات والفعاليات إلى منصات معدة بعناية لإرسال رسائل خفية تتجاوز ظاهر العناوين البراقة فبين كلمات التنوير والانفتاح تمرر أفكار مرتبكة ومفاهيم مشوهة تعيد تشكيل الوعي بصورة ناعمة تجعل الإنسان يبتعد تدريجيا عن معاناته الحقيقية وينغمس دون أن يشعر في حالة من الوهن الفكري المدروس
والأكثر إيلاما أن كثيرا من الحاضرين لا يذهبون للبحث عن المعرفة بل عن الصورة والمشهد الاجتماعي والتواجد الشكلي فتتحول القاعات إلى مساحات للتصفيق والتقاط الصور أكثر من كونها ساحات للحوار والنقد والفكر ويصبح الحضور ذاته نوع من الوجاهة الثقافية الزائفة حتى وإن غاب المضمون الحقيقي فهم حاضرون حتى النهاية
أما المشهد الأكثر غرابة فهو ذلك الإصرار على إعادة تدوير الوجوه الباهتة التي عاف بها الزمن أشخاص يعيش أغلبهم داخل أمجاد قديمة وتواريخ انتهى عصرها يتحدثون طويلا عما مضى ويتباهون بسيره لم تعد قادرة على ملامسة الواقع بينما يتجاهلون أزمات الحاضر وأسئلة الإنسان المعاصر فيكتفون بإغلاق المشهد المؤلم بعبارات من الأمل الزائف والشعارات المستهلكة التي لا تصنع وعي ولا تقدم حلول فيصبح المشهد أكثر قتامة لمن يمتلك القدرة على التفكير
ومع الوقت لا تعود المشكلة في ضعف المحتوى وحده بل في صناعة حالة كاملة من الوهم الثقافي حيث يتم خلط الحقيقة بالاستعراض وتقديم الماضي باعتباره إنجاز وتصبح الشللية وسيلة لإعادة إنتاج الرداءة عبر التصفيق المتبادل حتى يغيب أصحاب القيمة الحقيقية خلف ستار كثيف من العلاقات والمصالح
إن أخطر ما يحدث ليس طرح أفكار ضعيفة فحسب بل أن يعتاد الناس على الزيف المغلف بلغة أنيقة وشعارات براقة فالكذب حين يرتدي ثوب الثقافة يصبح أكثر قدرة على اختراق العقول وتوجيه الذائقة العامة وتحويل التشويه إلى أمر مألوف
ولهذا فالمعركة الحقيقية ليست ضد أشخاص بعينهم بل ضد حالة كاملة من تزييف الوعي وضد تحويل الثقافة من مشروع لبناء الإنسان إلى مسرح للاستعراض وتبادل المصالح وإعادة تدوير الفكر العاجز عن قراءة الحاضر أو صناعة المستقبل
فالأمم لا تسقط دفعة واحدة بل حين يصبح التصفيق أعلى من التفكير والصورة أهم من الحقيقة والوهم أكثر حضور من المعرفة وحين تتحول الندوات من منابر للوعي إلى قاعات مكتظة بالوعي الهش
ومن المؤسف أن أخطر أشكال الانهيار لا تأتي دائما عبر الحروب أو الأزمات الظاهرة بل تبدأ حين يفقد الإنسان قدرته على التمييز بين الفكر الحقيقي والاستعراض وحين تتحول الثقافة إلى ديكور اجتماعي وتصبح الكلمات وسيلة للتخدير لا للإيقاظ وعندها لا يعود السؤال ماذا قيل فوق المنصة بل ماذا تبقى داخل العقول بعد انطفاء الأضواء وانتهاء التصفيق
فالوعي الحقيقي لا يصنعه التصفيق بل القدرة على السؤال ووحدها العقول القادرة على الشك والتأمل تستطيع النجاة من هذا الصخب المتراكم حول الحقيقة
